حماية المحتوى الرقمي 

التصنيف: 1 من أصل 5.

إن من أبرز تحديات المحتوى الرقمي في العالم بشكل عام وفي العالم العربي بشكل خاص هو الحماية، والتي تتضمن الحماية من الأفراد والقرصنة أو الحماية من تغول الشركات واستغلالها، وتدرجت هذه التحديات ودفعت الدول لسنّ قوانين محلية وعالمية مرّت خلالها هذه القوانين بعدة مراحل، بدأتها الولايات المتحدة في عام 1998 بتفعيل قانون حقوق النشر الرقمية للألفية، والذي ينفذ معاهدتين لعام 1996 للمنظمة العالمية للملكية الفكرية، حيث يجرّم إنتاج ونشر

التكنولوجيا أوالأجهزة أو الخدمات التي تهدف إلى التحايل على الإجراءات التي تتحكم في الوصول إلى الأعمال المحمية بحقوق النشر وتبعتها عدّة إجراءات كانت منها قانون خصوصية المستخدمين وسرية البيانات وحتى الابتكارات في مجال حماية المعلومات والمحتوى، وكانت آخرها تعديل قانون حماية المحتوى الذي صادق عليه الاتحاد الاوروبي في عام ٢٠١٩م والذي ينص على ضرورة تأكد المنصات الإلكترونية من عدم انتهاك المحتوى المنشور عبرها لحقوق الملكية، و إجبار الشركات الكبرى مثل “جوجل” على الدفع مقابل عرضها لروابط من صحف ومؤسسات إعلامية في نتائج البحث الخاصة لكن مازال هذا القانون بين معارض وموافق ومازالت تفاصيل تنفيذه غير واضحة.

عربيًا للأسف حتى وإن كانت لدينا قوانين حقوق الملكية الفكرية وحقوق المؤلف والنشر إلا أن التطبيق ضعيف، إذ تعتمد في كيفية التعامل مع الوضع فيما بعد وقوع الخرق أو التعدي على الحق وتتمثل بمنح صاحب الحقوق الحق باللجوء إلى القانون ومقاضاة المتعدّي ومنعه من تكرار الفعل وطلب تعويض لأي ضرر قد تسبب به لمالك الحق، لكن هذا عربيًا ومع صعوبة المعاملات القانونية وإجراءاتها المعقدة وتكلفتها العالية مع المدة الزمنية الطويلة التي تستنزف الوقت والجهد إضافة لضآلة قيمة التعويض أو عدم الحصول عليه بالغالب كان حل اللجوء إلى القضاء شبه مستثنى لدى أغلب مالكي الحقوق أو مؤجل.

قبل سنوات كانت الإنترنت أحد أبرز أماكن الخرق والتعدي على الملكية الفكرية وحقوق المؤلف، وأصبح المحتوى الرقمي بكافة أشكاله صيدًا سهلا جدا للقراصنة ومتاحًا مشاعًا ينشره مستخدمو الإنترنت بغض النظر عن النوايا والفائدة العائدة عليهم. ومع ازدياد صنّاع المحتوى عالميًا ومحاولاتهم الكبيرة في الحفاظ على محتواهم من السرقة والتعدي أصبح أغلبهم يفضل أن يصنع موقعه الخاص لعرض محتواه أو عبر تطبيقات الهواتف الذكية لاحقًا لضمان حماية محتواهم، و مع هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على المحتوى وتوفيرها بيئة خصبة لخرق قوانين كان لابد من فرض قوانين عالمية تُلزم المواقع العالمية بمراقبة المحتوى ومنع نشر ما يخترق قانون النشر وحقوق الملكية.

ووضعت سياسات خاصة لحماية محتوى المستخدمين وصنّاع المحتوى لضمان بقائهم في مواقع التواصل الاجتماعي واستمرار نشرهم وإنتاجهم للمحتوى، حيث تنوّعت طرق الحماية والتي بدأت بذات الأسلوب القديم عبر الإبلاغ بعد الاختراق، ثم تطوّرت واستخدمت تقنيات وخوارزميات تعمل تلقائيا لرصد ومراقبة المحتوى ومنع نشره إذا ما اشتبه باختراقه لمحتوى مسجل لديها ضمن الملكية الفكرية، وهذا ساعد كثيرا في الحد من انتشار المحتوى المسروق في مواقع التواصل الاجتماعي.

كما وقامت شركة جوجل بإنشاء موقع متخصص للابلاغ عن المواقع التي تخترق حقوق الملكية وتمنعها من الظهور في نتائج البحث، كما وتم انشاء موقع “DMCA.com” الذي عمل على تطبيق قانون حقوق النشر للألفية الرقمية ( Digital Millennium Copyright Act ) وذلك لجعل عملية إزالة المحتوى المسروق أكثر سهولة وأسهل بكثير لجميع المعنيين حيث كانت  المواقع الإلكترونية على الشبكة العنكبوتية وغيرها من الشبكات معتمدة على “الضمير” لأصحابها، والذي بات معدومًا في الغالب ولذلك ظهرت بعض الحلول لحماية المحتوى الرقمي وأهمها إيقاف الموقع الذي يخترق أو يتعدى على حقوق الملكية الفكرية (DMCA Takedown).

فإن رأيت الشعار © في موقع أو محتوى رقمي ما فاعلم أنه اختصار لحفظ حقوق النشر. حيث أنها تمنح حقوق الطبع والنشر لمبدع العمل الأدبي أو الموسيقي أو السينمائي أو الشاشة أو العمل الفني الأصلي بما في ذلك برامج الكمبيوتر والحقوق القانونية للعمارة لفترة محدودة من الوقت، يختلف تبعًا للدولة التي يتبع لها والذي قد يمتد مدى حياة الفنان إلى 70 عامًا أو أكثر وفي بعض الدول ما لا يزيد عن 50 عامًا بعد وفاة صاحب الحقوق.
بينما تشير علامة TM إلى علامة تجارية. وهي تغطي الشعارات والكلمات والحروف والأرقام والألوان وعبارة أو صوت أو رائحة أو شكل أو صورة أو جانب من جوانب التعبئة أو العلامة التجارية – أو أي مزيج منها وقد يدل وضعها -أحيانًا- إلى أنك تطالب بالحق في استخدام علامتك التجارية كعلامة تجارية محفوظة الحقوق، على الرغم من أنك لم تسجلها في مكتب الملكية الفكرية بعد.
بينما (R) فتشير إلى أن علامتك التجارية مسجلة رسميًا لدى مكتب الملكية الفكرية في البلد وللسلع والخدمات التي تستخدمها من أجلها. ويمنحك هذا ملكية قانونية لعلامتك التجارية.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن حقوق المحتوى في حالات التوزيع عالميًا عبر التطبيقات أوالمنصات الرقمية المتنوعة الناشرة أو الموزعة للمحتوى، من خلال شركات الاتصالات وتطبيقات الهواتف الذكية وشركات النقل العام والخاص وغيرها، والتي ما زالت طرق الرقابة والحماية فيها تعتمد بالغالب على “الضمير” و الالتزام بتنفيذ العقود والتي تعتمد على الإجراء -إن وجد- بعد الخرق وليس قبله، ولم توّفر حتى الآن طريقة تضمن أو تفعّل ما يمنع حدوثه.

ولتوضيح الفكرة بشكل أفضل، أذكر تجربة حدثت معنا أثناء عرض الكتب الصوتية الخاصة بنا على منصة إحدى شركات الطيران وبعد انتهاء العقد المبرم بيننا بمدة عام وقد اكتشفنا الأمر بمحض الصدفة ولم يكن أمامنا إلا التواصل معهم وطلب تسديد أجرة استخدام المحتوى عن ذلك العام وعرض تجديد العقد أو التوقف تمامًا عن نشر المحتوى، هذا المثال أمر بسيط لأمر تم اكتشافه بمحض الصدفة ولكن الشركات المنتجة والناشرة للمحتوى عبر منصات الآخرين من الصعب ضبط ومتابعتها، إذ لم توضع سياسات تضبط أو تضمن عدم نشر محتوى أو توزيعه بعد انقضاء مدة العقد مع مالك المحتوى، كما أنها لم تتوفر آلية لضبط عمليات البيع بعد ذلك، لاسيما وأن التقارير الدورية للمبيعات تصدر من ذات الشركة الموزعة والتي جلّ ما يمكنك الاعتماد عليه في صحتها هو “الثقة”، لذلك فإن بقاء وضع المحتوى وصنّاعه معتمدين على “الثقة” خصوصّا عربيًا حيث نفتقدها تمامًا في مجال العمل إن لم يوجد قانون رادع ومفعّل، سيعيدنا عربيًا إلى عالم النشر الورقي، الذي فقد مصداقيته لانعدام الرقابة أو عدم وجود جهة ضابطة لعمليات النشر والتوزيع والبيع مما أفقد أصحاب المحتوى من مؤلفين وكتّاب الثقة تمامًا بالناشر العربي، وأضعفت هذه الصناعة وجعلتنا دائمًا في أدنى قوائم القراءة والمبيعات للكتب لافتقار الإحصائيات والتوثيق لعمليات الطباعة والنشر والبيع وحفظ الحقوق

أخيرًا من الجدير بالذكر أنّ تفعيل سياسات حماية المحتوى الرقمي وسن قوانين وإيجاد جهات رقابية حيادية لهي ضرورة عالمية ملحة للصعود بالمحتوى ودعم واحترام صانعيه، من خلال دعم الأفكار والجهات التي توظف التقنيات الحديثة والذكاء الصناعي في ابتكار حلول لتعزيز حماية المحتوى والحفاظ عليه من السرقة والتحايل.

اترك رد

مُقدَّم من WordPress.com. بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: