ازدواجية معايير

حلقات متداخلة من التضارب والسوء جعلت المجتمع يدفع الأجيال نحو الحرام دفعًا، ويجعل الحلال صعبًا ومتعبًا وغير متاح أومسموح. بدأت الحكاية مذ بدأ المجتمع بتنحية المنهج الرباني، والمرجعية الشرعية في الحياة، وبدأوا يتعاملون بازدواجية معايير في التربية بين الإناث و الذكور والتمييز بينهما في اختياراتهم وقراراتهم.

فربوا الذكور بلا حياء واستباحوا أجسادهم بشكل مؤلم حدا الصبيان الصغار لفهم أن كونهم ذكورًا يجعل كشف عوراتهم أمام الغير أمرًا طبيعيًا، في حين بالغنا في تستير الإناث وإخفاء عوراتهنّ في حين كان الله عادلًا بستر العورات لكلاهما على حد سواء، وحتى في العقاب إن أساء أخدهما في طفولته تُقبّل من الذكر وعوقبت الأنثى، ومن ثم سمحنا للذكور بالخروج دون أي قيود واللعب في الخارج، والذهاب مع الأصدقاء و.. و.. إلخ، و منعنا كل ذلك على الإناث دون أي مبرر واضح، تعرّض أطفالنا للتحرش كذكور فنسكت وإن تعرضت أنثى نثور، فظلمنا الذكور بنفس الوقت الذي منحناهم فيها حرية مطلقة آذتهم وأماتت الأخلاق والحياء في قلوبهم وجعلتهم مستباحين، كما أننا ظلمنا الأنثى أيضًا بتمييزها عن أخوتها ومبالغتنا بالحرص عليها دون أن يكون لدينا مرحع شرعي لأننا ما طبقناه على الذكور. فحين سمحنا لأبنائنا الذكور بالتأخر مساء، و تقبلنا تدخينهم، وسمحنا لهم بالعلاقات غير الشرعية وسامحنا بل حتى جعلنا ذلك ممكنا أمام أعيننا بكل بساطة كإقرار تام على أنه أمر طبيعي بينما نحرّم ذلك جملة وتفصيلا على الإناث.

هذا ولّد ثورة عند النساء، ليطالبن بحقهنّ بعدالة التعامل فطالما نُحيّ المرجع الشرعي في التعامل مع الذكور لمَ لا يتم تنحيته معهن أيضًا؟ فبدلًا من أن نسعى إلى تصحيح الخطأ الذي اقترفناه بحق الذكور من تربية خاطئة، كان ردّ الفعل بالمطالبة في إساءة تربية الإناث مساواة بالذكور لتحليل الحرام لهنّ كما فعلنا للذكور من قبل.

وياليتنا نعود إلى مرجعنا الشرعي الذي يفرض الاحترام على كلا الجنسين ويفرض الحياء وغض البصر على كليهما ويجعل لكليهما عورة واجبة الستر ويأمر كليهما بالأخلاق، والذنب على كليهما سواء، فلم يكن غليظّا على أحدهما ومخفف على الآخر.

وأيضًا دون مرجعية شرعية فرضنا شكل الارتباط الأسريّ وحرّمنا استقلالية أحدهما مهما بلغا من العمر ما لم يتزوجا ليشكلا أسرة جديدة، وفرضنا عليهما العيش تحت جناح الأسرة وضمن شروطهم مما جعل الزواج “هروبًا” ومخرجًا فارغ الغايات والأهداف، وتجاوزنا الأمر في تدخلنا في الاختيارات لكلا الجنسين وسوّلنا لأنفسنا التدّخل في حياتهم بشكل دفعناهم فيه للحرام بشكل محزن، لنصنع أجيالًا أبعد ما تكون عن الحلال، أو أصعب ما تكون منه جهادًا للنفس والمجتمع والحياة.

حيث أصبح اليوم الزواج دونًا عن الأعوام السابقة ضربًا من الجنون، يتجنبه كلاهما خوفًا من التحديات ودرءً للمشكلات وكثيرة هي الأسباب ليس السياق لعرضها الآن، لكنّ أغرب ما في الأمر أن الأكثر سوءً وظلمًا للإناث في مسألة الزواج هنّ الإناث أنفسهن وتحديدا “الأم”، إذ أعطت بعض الأمهات لأنفسهنّ الحق لاختيار شريكة الحياة لأبنائهن، دون الاهتمام باحتياج الابن ورغبته، فيضطر بعضهم للرضى والتخلي عن اختياراته لنيل رضاها، فرغبة بطاعة الله ببر والديه يندفع للحرام بعلاقات محرمة يظلم فيها أنثى أخرى أو لعله يتزوج بأنثى “جسد” ويعيش مع أخرى في خياله. وقد يعيش حياته في مشكلات قد تصل به إلى أبغض الحلال “الطلاق” لأنه لم يكتفِ بمن اختارتها والدته، أوقد يلجأ لأخرى ليلبي حاجته التي حُرم منها، فكم من أمّ لا تقبل لابنها فتاة شقراء/ سمراء أو لا ترضى سمينة أو نحيلة بينما هو قد يعجبه غير ذلك، ألم يحدد الله معيار التفاضل بـ “تقوى الله” و “الدين” فاظفر بذات الدين تربت يداك كيف استباح الإناث ظلم جنسهن بهذا الشكل المقيت بتحديد الخيارات على الشكل الظاهري، و تلاشي هذه المعايير تمامًا حين تكون المخطوبة ابنتهم.

وعلى الجانب الآخر جعلت الإناث أنفسهنّ سلعة، وجعل الأهل من الزواج “الحلال” تجارة حين بالغوا برفع المهور وغالوا بتكاليف الزواج ليصبح ضربًا من ضروب الإسراف والتبذير غير المبرر، كما وزادوا في قيود العلاقة بين الخاطبين، فمنعوا خروج الخاطب مع خطيبته وقيدوا زياراته وراقبوا حركاته تقيّدًا بالشرع وتركوا الشرع في كل ما دون ذلك، بينما وجدوا مبررات عدة لاختلاط الاناث بالذكور في العمل وسمحوا بلقاء الإناث بزملاء العمل والدراسة أو على الأقل لا يعرفوا بها لكن لم ينكروها ليشكلوا نوعًا آخر من ازدواجية المعايير يدفع الأجيال للبعد عن الحلال خيارًا.

وانتقلت ازدواجية المعايير أيضًا لتنتقل إلى الإيمان والتوكل والرضى، فيصبح العلم والمنطق هو المرجع في تنحية تامّة لمفهوم التوكل والإيمان ليدفع المجتمع الإناث للقنوط والاستسلام لفكرة العنوسة إن تخطى عمرها أوالحالة الاجتماعية شروط المجتمع -مجهولة المصدر- فلا هي ترتكز على دين وشرع، ألم يتزوج الرسول من الأرملة ومطلقة وهو “أحسن خلق الله”؟ ألم يكن عشرينيًا وتزوج من أربعينية؟ إذًا هذا ليس من الدين، كما أنه ليس موروثًا عربيًا فقد كان من الطبيعي عند العرب أن تتزوج المرأة مرة واثنتين وثلاث مرات بعد الطلاق أو بعد الترمل، بل كانوا يتحاربون على المطلقة أو الأرملة إن كانت تمتلك إحدى ميزات الزواج كالجمال أوالمال أوالنسب أوالعقل والفطنة، لكننا أصبحنا نوسم المطلقة والأرملة بأفظع الوسوم، وأصبحت الأنثى التي تخطت عمرًا معينًا في هذا المجتمع منتهية الصلاحية “بالحلال” وقلّما من تخطى هذا القرار واعتبرناه مجنونًا ومحلًا للسخرية، رغم أن الشرع سمح بكل شيء طالما ضمن الحلال وضمن من “ترضون خلقه ودينه” و “اظفر بذات الدين” وكل ما عدا ذلك تفاصيل تتلاشى بالعدل وتقوى الله.

،فكانت ازدواجية المعايير واحدة من أعراض ضعف الإيمان، وظلمنا أنفسنا بحجة العقل والعلم في شكل آخر من أشكال ضعف الإيمان والتوكل عليه، حيث أغرتنا أنفسنا وظننا أننا وصلنا بالعقل والعلم حدّا يجعلنا المتحكمين في حياتنا، وتناسينا آيات الله وقصصه التي علّمنا إياها وذكرها وكررها لنا ليجعل اختياراتنا مرجعها الوحيد هو الشرع والحلال، فلا أنصفنا أبناءنا بالتربية ولا عدلنا بالاختيار فجعلنا العقل يسيرنا في “الحلال” مع ازدواجية معايير، في حين تناسينا العقل تمامًا في الحرام فظلمنا أنفسنا وظلمنا غيرنا ونتساءل عن سبب عيشتنا الضنكا!

لا توجد آراء بشأن "ازدواجية معايير"

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: