النجاح الحقيقي بالرضى

التصنيف: 1 من أصل 5.

قالت :” لقد سئمت العيش لغيري أريد أن أعيش لي أريد أن أثبت ذاتي!”

كثيرا ما نسمع كلاما كهذا من نساء متزوجات غير راضيات عن حياتهن كونهن لا يمتلكن وظيفة وأن وقتهن كله لأسرهن، فاستوقفني هذا الحال. تبدأ الحكاية منذ الطفولة والتي تعتمد على تربيتنا وبيئتنا وغريزتنا الفطرية لطلب الحب والعاطفة فيكون الزواج هو ذروة الأماني فغالبيتنا لا تمتلك هدفا أو غاية في الحياة تحيا لأجلها وبها ومعها.

هكذا نكبر وتبقى أقصى الأماني تتمثل بفارس الأحلام الذي -وللأسف -صور لنا في الدراما والروايات والشعر فارسا خياليا غير موجود في حقيقة الحياة وكوننا نعشق الخيال والرومانسية حتى وإن كانت كاذبة تكبر الهوة وتتسع فيصغر ويضيق ويتقلص الهدف لينحصر ببضعة أيام وليلة واحدة تحلم بها أغلب الفتيات ترسمها في خيالاتها وترسم تفاصيل المكان وديكوره والفستان وزركشاته وموديله وتصوغ حتى تفاصيل الكلمات والضحكات والبسمات والهمسات والحركات والألوان وكل شيء نعم كل شيء وتغفل عن كل ما بعد تلك الليلة لكنها تصحو بعد انقضاء تلك الليلة بأيام أو أشهر وأحيانا سنوات لتجد نفسها بلا هدف بلا حلم فقد انتهى وانقضى لا بل قد بدا لها أنه وهم وسراب عاشت لأجله سنوات عمرها المنصرم لينفجر بركان الحيرة والأسى.

على الجانب الآخر من الحكاية فتيات أخريات منهم من امتلكن هدفا في الحياة سعين لتحقيقه ومنهن من كن بلا هدف أيضا لكن الحياة سيرتهم باتجاه مغاير ضَل فيه فارس أحلامهم طريقهن فلم ييسر لهم اللقاء فصنعن لهن دربا وأحلاما مشين فيها … لكن هؤلاء الفتيات حقيقة لا يمكنهن إطلاقا محو غريزتهم الفطرية التي وضعها الله فيهن وهي الحاجة إلى العاطفة فبعضهن يخفين تلك الحاجة أو بعضهن الآخر امتلكن موهبة التحكم بها وإدارتها بشكل رزين .. ويبقى يجمعهن جميعهن تلك الحاجة والرغبة الدفينة الداخلية سواء ظهرت أم لم تظهر.

بعد صحوة المتزوجات من صدمة الواقع بالحلم تبدأن بالالتفات وراءهن بكل أسى وتبدأ المقارنة -اللعينة- بين حياتهن وحياة من لم تتزوجن من صديقاتهن والمحيطات بهن لاسيما من حققن نجاحا وتميزا في عملهن فتغبطهن / تحسدهن داخليا ويزداد بغضهن ورفضهن لواقعهن … فيتغير تفكير ونظرة المتزوجة لتتحول إلى حرب على واقعها وحياتها محاولة تغيرها مطالبة باستقلالها وتحقيق ذاتها وأهدافها التي لم تضعهن الا منذ ايام فقط! وكل ما تراه أمامها هو نجاح هذه وتميز تلك.

وعلى النقيض تماما تحلم الكثيرات ممن لم تتزوجن بالراحة الفكرية المنزلية التي تنعم بها المتزوجات بعيدا عن ضغط العمل وتوتراته والاضطرار للتعامل مع أصناف الناس مما هب ودب ومجاراتهم وتحمل غباء هذا وبذاءة ذاك أو غزل هذا ووقاحة ذاك وحسد هذه وكيد تلك و..و… فخلف صورة النجاح تلك الكثير من الألم والتعب والهم فمنهن من تتمنى أن تنعم براحة النوم وتتخلص من الأرق! وتلك تتحدث عن سوء الإدارة وتمييزها ومحاباتهم وظلمها لها.. وأخرى تنام ودمعاتها على خدها للاهانة التي شعرتها من ممول مشروعها أو..أو.. أوتلك التي لا تنام إلا مع حبوب مهدئة فبكلمة قد تخسر مشروعا وبكلمة قد تفقد منصبها وبتوقيع قد تخسرعميل مهم .. وهناك التي لم تنم منذ أسبوع أكثر من ٤ ساعات لتسلم مشروعها في وقته و..و… ولازلت أذكر حجم المفاجأة التي انتابتني حين سألت مجموعة من الفتيات العاملات (غير المتزوجات) عن رغبتهن في الاستمرار في العمل وإلى متى فأجبن كلهن ذات الإجابة: أتمنى أن أترك العمل “واتستت”بالبيت!

نعود إلى المتزوجات الباحثات عن إثبات الذات أو غير الراضيات عن حياتهن الزوجية والعناية بأطفالهن وبحثهن عن أنفسهن فإن حقيقة المشكلة وأصلها -عند غالبيتهن- ليست رغبتهن في تحقيق هدف ما بقدر ما هي خلق حلم جديد يلبي رغباتهن بعد أن باءت أحلامهن السابقة بالفشل الذريع ابتداء من الاستقلال المادي وانتهاء بالحب والاحتواء فلو كانت حياتهن الزوجية مريحة مطمئنة وأعطين كفايتهن من المال لما اصطنعن حلما أو سعين لهدف (لو تستتن ما بحثن عن تحقيق ذات -وأكرر أن أغلبهن وليس الجميع-) فغالبية البشر يعملون طلبا في تحسين مستوى حياتهم عبر تحقيق أعلى مستوى من الراحة والمتعة والسعادة ! فمن الممكن أن تحقق الفتيات ذواتهن في بيوتهن وليس فقط بالعمل فبناء الأبناء وتربيتهن تحدٍ لا يتقنه أو يتميز فيه إلا الاقلاء ولكي تعيشي حياتك وتصنعي ذاتك لابد وأن تتأقلمي مع وضعك الراهن وتبدأي التغيير من نفسك والتحكم بها قبل أن تحاولي تغيير المحيطين بك، وضعي أهدافا ذكية تناسب حياتك ووضعك ثم حاربي لأجلها حينها سيحترمك العالم كله ويحارب معك!

في الحياة الكثير من التحديات الخارجية و النفسية فلا راحة وسعادة مستمرة لابد من السعي والصبر والتجلد ولا بد من التضحيات … فلم تصبح الناجحات ناجحات الا بالصبر والتعب والسهر .. وأحياناً اضطررن لخسران الكثير من الخيارات لأجل الوصول إلى حيث وصلن إليه .. فلنعرف النجاح بداية ونفهمه ومن ثم نجعل لكل منا نجاحه الخاص فالحياة الهانئة تبدأ من دواخلنا نحن لا بزوج أو بنجاح عمل وإنما تبدأ بالرضى ومن ثم تصالحنا مع ذواتنا ومصارحتها في ما نريده وما نسعى إلى تحقيقه لتكون رحلة نجاحنا رحلة ممتعة نصحب فيها من حولنا ونتأقلم مع محيطنا ثم نعمل على تطويعه وتغييره تدريجيا وضمن حدوده ومعاييره هو ونصبرعليه ونحاول … ونحارب .. حتى نصل!

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: