جمال المقاييس والمعايير

التصنيف: 1 من أصل 5.

لا يختلف اثنان على أهمية الجمال وعلاقته الوطيدة في أحكامنا على الأمور حتى لو ادّعينا وحاولنا التبرير والاجتهاد لإقناع أنفسنا قبل أي شخص آخر في أنه لا يؤثر فينا إلا أنه يلعب دوراً كبيراً في حياتنا وقراراتنا.

ويأتي جمال المظهر كأحد فروع الجمال العديدة وليس الوحيد منها، لكن مع العولمة وتفشي الرأسمالية في كل العالم أصبح المال هو الملهم والمحرك الوحيد لكل شيء، لذلك أصبح الجمال سلعة ومن أثمن السلع وأكثرها تداولاً بل هو البزنس الأنجح فتم وضع المعايير والمقاييس للجمال وأصبح الجميع يسعون إليه ليصبح الجمال بحد ذاته غاية وهدفاً بل وأحياناً حلماً يرواد الجميع.

رغم أن الأمر بدا عادياً وغير منظم أو مخطط له إلا أنه يتفشى ويتسع بطريقة غريبة ويتغلغل في عقول وقلوب الجميع فمن تسويق الجميلات/الجميلين من العارضات / العارضين أو الممثلات/ الممثلين ووضع مقاييس خاصة يقاس بها معيار الجمال وتعقد مسابقات للجمال، لا بل وتخطّاها ليصبح لكل عضو من أغضاء الجسد مسابقة ولقباً فهناك أجمل عنق وأجمل ابتسامة وأجمل عيون وأجمل .. وأجمل الخ دون أي قيود أو حدود.

وصار هاجس الجميع الوصول لجمال المعايير تلك فأصبح كل شيء يزيّف فصنعوا كريمات لاخفاء عيوب البشرة (ولاحظوا اعتبار الطبيعة عيوباً) فأصبحت البشرة مستعارة لتصل المعايير، والرموش مستعارة ولون العيون مستعار والشعر كذلك تلون وأضيف إليه وصلات فما عاد لونه طبيعي ولا طوله طبيعي ولا حتى كثافته حقيقية.. لننتقل إلى الصورة الأكثر سوء في هذا البزنس وهو التجميل والسعي لصناعة الأعضاء وتزيف الملامح، ليصبح الجميع نسخة مقلدة لبعضهم البعض مع فروق بسيطة !

نفس الأسنان بذات البياض والترتيب والابتسامة، ذات الشفاه بالحجم واللون و.. ذات الحواجب باللون والشكل والرسم .. ذات الخدود بالحجم والشكل … وكذلك الصدر أصبح مستعاراً الى آخره.

صراحة بعدما رأيت هذا كله من حولنا يتفشى وينتشر حتى أنني سمعت بعضاً من صديقاتي تفكر بعملية تجميل لأنفها وأخرى لشفتيها وأخرى تغيير لون عيونها و.. و.. فتحطمت كل الصور في عيني وعلمت بأن الشعب اليابني حتى بهذه الجزئية تفوق علينا فكانوا الأكثر صدقاً مع أنفسهم فاختصروا هذا العناء و صنعوا فتيات الكترونية متحركة بالمعايير والمقاييس الجمالية لتصبح بديلاً لرفيقات الشباب من الإناث .. أيتها الإناث اسألن أنفسكن ما الفرق بينك وبين الدمية تلك بعدما أصبح كل ما فيكن مستعاراً؟

وأتعجب استهجان الفتيات حلم كل شب بالفوز بالفتاة الأجمل ألا تتنافسن وتتزين لتبدون أجمل وأجمل لم استحللتم هذا على أنفسكن بالتزييف والتزويق واستعجبتم حلم الشاب بأجملكن أو أمهركن زيفاً !فما عاد أينا يستطيع التفريق بين الجمال الطبيعي والمزيف ليفاجأ بعد حين بطفلة تفتقد لأدنى صفات الجمال (حسب المعايير العالمية الموضوعة) ليعلم أن ذاك الجمال ما كان إلا صورة من ورق مزقتها أول حقيقة واجهتها لتصدمنا بالواقع الذي طالما هربنا منه.

وفي ذات الوقت يتشدق الشباب بأن بحثهم عن الجمال لأن الجمال أنوثة وأقصى أمنياته في فتاة أحلامه الفتاة الأكثر أنوثة لكن نفاجأ بأن أصبح معيار الجمال ومقاييسه اليوم تنتشر وتتفشى بين الذكور أيضاً ولم تقتصر على الاناث فقط فأصبح الشاب منهمكاً بجمال مظهره وشكله الخارجي أكثر من اهتمامه بأخلاقه ونبله ورجولته فأصبح الشباب يربون شعورهم ويستخدمون الشامبوات والكريمات والصبغات و.. و.. وأصبحوا يرسمون حواجبهم ويزيلون شعر أجسادهم ووجوهم وصاروا يضعون الأقراط والزينة في الأذن والأنف و ..و…!!

قد أتفهم أن من الفطرة التي جبلت عليها الأنثى حب التجمل والتزين، لكن ما معنى أن الشباب هذه الأيام يتجملون ويتزينوا كالاناث وأكثر!؟إنه الغزو الفكري الذي يصب في مصلحة المتنفذين بالمال وأصحابه.

دعونا نتخيل معاً شكل العالم لو أنَّ كل نساء العالم لا يضعن مساحيق التجميل وكلهن يرتدين لباساً لايصف أجسادهن ولا يشفّ (طبعاً مع الاهتمام بالنظافة والترتيب)، ولنفترض أيضاً أن كل رجال العالم يطلقون اللحية وكلهم يرتدون ملابس فضفاضة ويهتمون بقوة بنيتهم لا مظهرها (طبعاً مع مراعاة النظافة والترتيب).

حينها ألن يصبح معيار التفاضل والاهتمام بينناهو الفعل لا الشكل، العقل والفكر والشخصية والخلق لا المظهر والجسد ..؟!

أليست مغالاتنا بالاهتمام بالمظهر وتجميله وإخفاء العيوب الظاهرية جعله يأخذ حيزا أكثر مما يستحق من حياتنا وفكرنا؟

في حين همشنا العيوب الحقيقية المهمة في الأخلاق والواجبات والحقوق؟ تخيلوا أيضاً كم من المال سنوفر؟ وكم من الموارد المهدورة في صناعة الموضة والتجميل وملحقاتها وتخيلوا معي كم ستتغير حياتنا وكم ستكون حياتنا طبيعية.

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: